ليفربول بلا نتائج في أنفيلد: حين يتحوّل الاستثمار الضخم إلى عبءٍ نفسي
تعادل سلبي جديد يكشف أزمة "الإرث" أمام تحديات الحاضر تحت قيادة إيراولا
بونتيني أنفيلد، ذلك الملعب الذي طالما كان حصناً يصعب اقتحامه، يتحوّل هذا الموسم إلى مسرحٍ لأزمة هوية لم يعرفها ليفربول منذ خمسة عشر عاماً. التعادل السلبي الذي فرضه فولهام على الريدز، ضمن الجولة الرابعة من الدوري الإنجليزي الممتاز، لم يكن مجرد نتيجة عابرة تُضاف إلى سجل موسمٍ طويل، بل كان إعلاناً صريحاً عن أن مشروع أندوني إيرارولا التجديدي ما يزال بعيداً عن النضج، رغم ملايين الجنيهات التي ضُخّت في صفقاته الصيفية.
أرقامٌ تُدين لا تُبرّئ
لم يفتقر ليفربول إلى المحاولات؛ فقد سدّد أصحاب الأرض أربع عشرة محاولة مقابل عشرٍ لضيوفهم، وتفوّقوا في مؤشر الأهداف المتوقعة (1.13 مقابل 0.71)، لكن الفارق بين الأرقام والنتيجة على أرض الملعب يختصر مأزق الفريق بأكمله: كرة مرتبكة في الثلث الأخير، وقرارات هجومية بدت "يائسة ومشوّشة" كلما اقترب الوقت من نهايته، على حد وصف تقارير المباراة. فيكتور مونيوز اصطدمت كرته بالعارضة مبكراً، وجوش كينج انتزع تصدياً من أليسون، ثم أضاع رودريجو مونيز وألكسندر إيساك في الوقت بدل الضائع فرصتين كان يمكن أن تُنهيا الحصار. النتيجة: تعادلٌ لم يكافئ أحداً، لكنه أدان ليفربول أكثر لأن الفارق في التوقعات كان يفترض أن يُترجم انتصاراً.
رقمٌ لم يتكرر منذ 2011
الإحصاء الأكثر دلالة على عمق الأزمة أن ليفربول عجز، للمرة الأولى في ثلاث وستين موسماً، عن الفوز في أول مباراتين له على أرضه في الدوري ضمن الموسم نفسه. أربعة تعادلات متتالية على ملعب أنفيلد في الدوري لم تتكرر منذ نوفمبر 2011 إحصاءٌ يعيد إلى الأذهان أسوأ فترات الفريق في العقد الأخير، ويضع إيرارولا أمام سؤال مباشر: هل يملك الرجل الحلول التكتيكية لكسر الكتل الدفاعية المتراصة، أم أن نجاحه في بورنموث كان نتاج سياقٍ مختلفٍ تماماً؟
غيابٌ يتجاوز الملعب: ما بعد رحيل صلاح
لا يمكن قراءة أزمة ليفربول الهجومية بمعزلٍ عن السياق الأكبر: هذا هو أول موسمٍ لليفربول منذ ثماني سنوات بلا محمد صلاح، الذي رحل هذا الصيف بعقدٍ مجاني إلى طرابزون سبور التركي، منهياً حقبة كاملة من الحسم والفاعلية الهجومية. النادي حاول تعويض هذا الفراغ بصفقاتٍ باهظة برادلي باركولا بمئة وثلاثة وعشرين مليون جنيه إسترليني من باريس سان جيرمان، وفيكتور مونيوز من أوساسونا، إلى جانب تدعيماتٍ دفاعية شملت جيريمي جاكيه ورونالد أراوخو معاراً من برشلونة بإجمالي استثمارٍ تجاوز 242 مليون جنيه إسترليني. لكن المال وحده لا يصنع الانسجام؛ فباركولا الذي خاض مباراته الأولى أساسياً في الدوري لم يجد بعد الكيمياء التي تُحوّل الإمكانات الفردية إلى فاعلية جماعية، وهو ما يفسّر لماذا بدا هجوم ليفربول، رغم الاستحواذ والمحاولات، بلا "سكين" حقيقية في اللحظة الحاسمة.
اعتراف إيرارولا: الإرهاق عذرٌ لا يكفي طويلاً
بعد المباراة، لم يحاول المدرب الإسباني تجميل الصورة. قال بصراحة: "من الواضح أننا افتقدنا الانتعاش الجسدي، لم تكن لدينا اللحظات الكافية لصنع الفارق"، مضيفاً أن "كل شيء كلّفنا الكثير اليوم". تصريحاتٌ تحمل قدراً من الواقعية، خصوصاً أن الفريق خاض مباراته الثالثة في أسبوعٍ واحد بعد مواجهة أتلتيكو مدريد في دوري الأبطال، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة إدارة الأحمال البدنية في نادٍ يُفترض أن يمتلك أعمق دكة بدلاء في القارة. فحين يعترف المدرب بأن "هذا هو واقع الموسم" وأن الفريق "يجب أن يجد طرقاً للفوز في مبارياتٍ يفصل بينها أقل من 72 ساعة"، فإنه يضع نفسه أمام اختبارٍ إداري بقدر ما هو تكتيكي.
فولهام: نقطةٌ تُنقذ مشروعاً، لا توقفه
في المقابل، مثّل التعادل إنجازاً معنوياً لألفارو أربيلوا، الذي حصد أول نقطة له مدرباً لفولهام بعد ثلاث هزائم متتالية. أظهر فريقه انضباطاً دفاعياً لافتاً وقدرة على إدارة مرحلة الانتقال دون الانكشاف أمام هجمات ليفربول المرتدة وهو بالضبط ما أراده أربيلوا حين قال إن فريقه "أدرك أهمية التوازن" في مواجهة الأندية الإنجليزية السريعة. مفارقةٌ لافتة أن يخرج المدرب الوافد حديثاً بدرسٍ تكتيكي أوضح من نظيره الذي يقود أحد أكبر أندية أوروبا.
القراءة الأخيرة
يحتل ليفربول حالياً المركز السادس برصيد ست نقاط من أربع مباريات، متأخراً بأربع نقاط عن مانشستر سيتي وآرسنال المتصدّرَين، وهو ترتيبٌ لا يعكس حجم الإنفاق الصيفي بقدر ما يعكس أزمة تأقلمٍ حقيقية. المشكلة الآن تتجاوز غياب الحظ أو الإرهاق العابر؛ إنها تتعلق بهوية الفريق في مرحلة ما بعد صلاح، وبقدرة إيرارولا على تحويل مشروعٍ استثماري ضخم إلى منظومة لعب متماسكة قبل أن تتحوّل هذه البداية المتعثرة إلى أزمة ثقة حقيقية. المباراتان المقبلتان أمام توتنهام وبورنموث ستكونان معياراً حقيقياً: فإما أن يستعيد أنفيلد هيبته المعتادة، أو تتحوّل هذه التعادلات المتكررة إلى سؤالٍ مقلق حول جدوى "الثورة" التي قادها المدرب الإسباني منذ توليه المهمة.
د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport